Network of Iraqi Reporters for Investigative Journalism

شبكة الصحافة الاستقصائية العراقية

الاعتقالات والتهديدات وقوائم الملاحقة الأمنية تمنع الاحتجاجات في المناطق السنية

602

دلوفان برواري وفريق الموصل

بصوت خفيض وكلمات متقطعة، يقول محمد وهو يجول بنظره يميناً وشمالاً “اقتادوني بسيارتهم الى جهة مجهولة، لم أعرف من يكونون ولا الجهة التي ينتمون اليها… أهانوني وانهالوا على بالضرب… كانت جريمتي اني أردت إبداء تضامني مع المتظاهرين في بغداد وجنوب البلاد”.

محمد (20 سنة) طالب في جامعة الموصل، اتفق مع مجموعة من زملائه في كَروب مغلق، على القيام بوقفة تضامنية مع تظاهرات واعتصامات المحتجين في بغداد وجنوب العراق المستمرة منذ الأول من تشرين الأول اكتوبر الماضي، احتجاجا على الفقر الذي تجاوزت نسبته بحسب أرقام رسمية الـ(23%) والبطالة (19% بين الشباب) في رابع أكبر دولة منتجة للنفط في العالم.

يضيف وهو يحاول ان يخفي قبضتي يديه التي بدا عليما اثار احمرار “حين وصلت الى المكان المتفق عليه للوقفة، اعتقلت من قبل مسلحين بملابس مدنية عصبوا عيني واقتادوني بسيارتهم الى مكان مجهول، بقيت محتجزاً هناك لأربعة أيام، تعرضت فيها للتعذيب والإهانة المستمرة كلما سألت عن جريمتي”.

يتابع محمد “حتى قبل ان يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مرارا: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.

أطلق سراح محمد، بعد أن عثرت عائلته عليه، لدى احدى الجهات الأمنية (رفضوا الافصاح عنها)، وتعهدت بأن لا يدخل في أي نشاط من هذا النوع، منبهين اياه بأنه سكون تحت مراقبتهم.

تلك الأيام الأربعة بما تضمنته من ضرب واهانة وتهديد ورعب، فضلا عن الخوف الذي عاشته عائلته، يعتبرها محمد الأسوأ في حياته، لذا قرر ترك دراسته الجامعية ومدينته وكامل العراق والهجرة الى خارج البلاد.

الرعب الذي تملك محمد وعائلته، منعه حتى من التواصل المباشر لمعرفة مصير بقية زملائه الذي كان يفترض ان يشاركوا في الوقفة التضامنية مع احتجاجات شباب العراق. يقول: علمت ان بعضهم اعتقل مثلي، لكني لم اتصل بهم مباشرة “نبهتني عائلتي بأن لا أفعل ذلك، فقد يكون بعضهم مازال معتقلا… خشينا ان يُفسر ذلك بشكل خاطيء”.

لكن محمد، علم من خلال أحاديث المجموعة التي اعتقلته ومن معارف ومقربين، ان هناك العديد من المعتقلين في الموصل “بتهمة دعم المحتجين او الدعوة للتظاهر”، وان صفحات التواصل الاجتماعي للعديد من الشباب المعروفين بنشاطهم في الموصل تخضع للمتابعة.

وخرجت الاحتجاجات التي تعد الأكثر دموية منذ العام 2003، في تسع محافظات ذات غالبية شيعية، وأدت الى مقتل نحو 330 متظاهرا واصابة أكثر من 15 الفا آخرين، بالرصاص الحي والمطاطي وبقنابل دخانية واخرى “مسيلة للدموع”، وتحولت من مظاهرات ضد الفساد ولتحسين ظروف العيش، الى اعتصامات مفتوحة واضرابات تطالب بتغيير نظام الحكم والطبقة السياسية التي حولت البلاد الى أكثر الدول فسادا في العالم بشغلها التسلسل 13 عالميا بين 180 دولة بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2018.

An Iraqi youth donning the red jumpsuit and Dali mask of the Spanish Netflix hit series La Casa de Papel (Money Heist), looks in a mirror as he prepares to perform in a video clip in Arabic using the music of the famous song “Bella Ciao” in the northern city of Mosul, on November 11, 2019, in support of anti-government protests sweeping the country. – While Baghdad anti-regime protesters have clashed with riot police, their supporters in Mosul are using art to fight for change, with a new take on the resistance anthem “Bella Ciao”. In a viral music video clip, the World War II-era Italian anti-fascist song translates to “No way out”, capturing the sentiment of many young Iraqis about their violence-torn homeland. (Photo by Zaid AL-OBEIDI / AFP)

 لا احتجاجات بمناطق السنة والكرد

لكن الاحتجاجات لم تشمل المحافظات ذات الغالبية السنية، رغم تعاطف الكثير من النشطاء السنة المعروفين على وسائل التواصل الاجتماعي معها، بسبب الأجواء الأمنية الخاصة التي تحكمها، حيث شهدت الأنبار ونينوى اعتقالات وتوجيه تهديدات للنشطاء والاعلاميين فيها لمنع انضمامهم الى حركة الاحتجاج اوحتى مساندتها، كما لم تشمل محافظات اقليم كردستان ايضا بسبب رفض الحزبين الحاكمين في الاقليم لأي توجهات تهدف الى حل الحكومة الحالية التي هم شركاء أساسيون فيها، وأي تحركات لتغيير الطبقة الحاكمة التي هم جزء منها.

لكن أسبابا أخرى تدفع تلك المحافظات الى عدم الانضمام للاحتجاجات، بحسب الناشط محمد أمير “سكان المحافظات ذات الغالبية السنية يخشون من ان اي احتجاج سيفسر من قبل القوى الشيعية بانها محاولة للانقلاب على النظام السائد، وان داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى قد تستغلها لصالحها وبالتالي عودة العنف الى تلك المناطق، وهو ما يرفضه الشارع السني”.

وبشأن موقف الشارع الكردي يلفت أمير، الى مخاوف الكرد من ان يصبح اقليم كردستان وحقوقه المثبتة دستوريا ضحية لأي تغيير في النظام السياسي الحالي “التحول من النظام البرلماني الذي يوزع مراكز القوى على عدة أطراف الى النظام الرئاسي الأكثر مركزية، وهو مطلب رفعه بعض المتظاهرين، سيؤثر على دور الاقليم في صناعة القرار، كما ان سقوط حكومة رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي الذي يوصف بانه صديق للكرد قد تهدد التوافقات السياسية الحالية التي تمكن الاقليم من الحصول على حصته من الموازنة المالية الاتحادية”.

ويرى أمير ان في كل من الشارعين السني والكردي هناك تأييد كبير للاحتجاجات التي تستهدف انهاء الفساد ومحاصصة الامتيازات والمغانم ومحاسبة الفاسدين، ويقول”ربما هناك تفهم شيعي لعدم اشتراك الكرد والعرب السنة في الاحتجاجات لسبب رئيسي يتمثل بعدم منح الأحزاب الشيعية فرصة لاستغلال ذلك الموقف السني والكردي بوصفه تمردا طائفيا وقوميا على الحكم الشيعي ما سيبرر قمع الاحتجاجات بكل السبل على عكس وضعها الحالي بكونها حراكا شيعيا لتصحيح مسار الحكم الشيعي للبلاد”.

 

إجراءات أمنية وتحذيرات

وشهدت مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، التي كان قد احتلها تنظيم الدولة الاسلامية عام 2014 وحولها الى عاصمة لدولته التي أعلنها من احدى منبار مساجدها قبل ان تستعيدها الحكومة العراقية عام 2017، انتشارا واسعا للقوات الأمنية، وخاصة في جامعتها التي تضم عشرات آلاف الطلبة لمنع أبنائها من الانضمام الى الاحتجاجات الشعبية في العراق.

وتمثلت الاجراءات في زيادة عدد نقاط التفتيش الأمنية ورفع مستوى التشديد فيها سواء في محيط الجامعة او داخلها، وتم نشر دوريات أمنية في الاسواق والتقاطعات المهمة، كما في مداخل المدينة التي شددت اجراءات الدخول اليها.

ونظمت الأجهزة الامنية في المدينة، التي تسيطر عليها جهات وأحزاب قريبة من الحشد الشعبي، حملة اعتقالات وتهديدات مباشرة وغير مباشرة طالت الناشطين والطلاب الذكور والإناث على حد سواء، خاصة مع انضمام عشرت الآلاف من طلاب جامعات بغداد وجنوب البلاد الى الاحتجاجات ومع اعلان الكثيرين منهم الاضراب عن الدوام.

وأبلغ مصدر، فضل عدم ذكر اسمه خوفا من الملاحقة، الفريق الذي انجز هذا التقرير، ان “التهديدات او التنبيهات” وصلت الى الأساتذة الجامعين بل والى رئيس جامعة الموصل، مبينا إن مسؤولين متنفذين في القوات الأمنية أوصلوا رسالة الى رئاسة الجامعة مفادها أن “خروج أي تظاهرة من جامعة الموصل سيكون سببا لعودة العنف للمدينة بأكملها، باعتباره نشاطا لخلايا تنظيم داعش”.

طالب جامعي وناشط آخر على وسائل التواصل الاجتماعي، رفض ذكر اسمه، كان يفترض ان يشارك في الوقفة التضامنية مع احتجاجات بغداد والجنوب، قال إن ثلاثة من أصدقائه الذين كان مقررا ان يشاركوا في الوقفة اعتقلوا أيضا، وان اثنين منهم لم يخرجوا حتى ساعة اعداد هذه التقرير.

فيما أفرج عن الطالبين الآخرين، وقال أحدهما في مكالمة هاتفية أن ذويهما “استعانوا بوساطات عديدة من شخصيات اجتماعية ومسؤولين حكوميين ودفعوا إكراميات، حتى تم الافراج عنهما”. وتابع وهو يتحدث من خلال رقم هاتف غير الذي تعود استخدامه خوفا من المتابعة الأمنية “أحد عناصر القوة التي اعتقلتني قال ان لهم عيونا في كل مكان وانهم حصلوا على معلومات تنظيم الوقفة من أحد زملائهم في الكروب المغلق”.

ويردف “مثل غيرنا، وقعنا على تعهدات بتجنب الخوض في اي نشاط كهذا، وعوائلنا ظلت تكرر ذات النصائح: ليس لكم علاقة بما يحدث… ابني استروا علينا وضع الموصل يختلف.. نحن لن نتحمل اتهامنا بمحاولة تعكير النظام او اثارة الشغب”.

An Iraqi protester has a slogan reading in Arabic: “we need a country” paintend on his head during ongoing anti-government demonstrations on November 13, 2019 at Tahrir square in Baghdad. (Photo by SABAH ARAR / AFP)

اعتقالات تحت بند “الاشتباه”

يقول المحامي حسن الجوادي، إن الاعتقال في الموصل أمر طبيعي ويمكن تبويبه رسميا على انه “اعتقال للاشتباه أو للتدقيق الأمني” وهي حالة شائعة والحجة الدائمة هي التحقق من وجود اي علاقة للشخص المعتقل بتنظيم داعش او اي تنظيمات متطرفة أخرى.

ويضيف ان “العشرات يعتقلون في الموصل، كل يوم هناك اعتقالات حتى قبل بدء الحركة الاحتجاجية الأخيرة، وهناك جهات متعددة تقوم بعمليات الاعتقال، ولبعض الجهات معتقلاتها الخاصة، وهذا ما يفسر اختفاء العشرات في الموصل دون معرفة مصيرهم”.

ويكتب ناشطون بين فترة وأخرى عن ملف المعتقلين، مشيرين الى انه “ملف شائك ومقلق وقد يهدد الأمن الهش المتحقق في الموصل”، فبعض الاعتقالات كيدية ولا تربط أصحابها اي علاقة بتنظيمات متطرفة.

ويقول أبو علي، وهو سائق سيارة أجرة، رفض الكشف عن اسمه خوفا من الملاحقة الأمنية، أن “أحد اقربائه اعتقل مع عشرة آخرين بعد أن خرجوا للقيام بوقفة احتجاجية والتقاط بعض الصور دعما للتظاهرات في بغداد”.

ويضيف إن “عائلة قريبه استعانوا بضباط كبار حتى يتمكنوا من الوصول الى ابنهم ذو الـ 17 عاما، والذي اعتقل لأيام، وان الضابط الذي توسط للإفراج عنه أكد أن التعليمات صارمة جدا بهذا الخصوص، وانه لولا علاقته الجيدة بالجهة التي اعتقلت ابنهم لأصبح في عداد المفقودين”.

الناشط (س ع) يقول رغم دعوات التأييد وحالة التعاطف التي تحظى بها التظاهرات في الموصل، لكن لا يمكن ان يتم السماح بحصول اي احتجاجات فيها “وضع الموصل يختلف عن بغداد والجنوب، فهي مدينة سنية خارجة من حرب مدمرة وسكانها محل شبهة.. ثم انه في النهاية صراع شيعي ضد الادارة السيئة للشيعة للحكم”.

ويلفت الى ان من يلومون أهالي المحافظات السنية بعدم انخراطهم في الحركة الاحتجاجية يبدو انهم يجهلون واقعها “الوضع الامني هنا مختلف وكل شيء تحت قبضة الأحزاب القريبة من الحشد الشعبي والتي هي الحاكم الفعلي في نينوى كما هم أصحاب اليد الطولى في الحكومة الاتحادية”.

 

تهديدات مختلفة

إذا كانت عمليات الاعتقال والخطف والتهديد ضد المتظاهرين والمعتصمين في بغداد وجنوب العراق تلقى صدى في وسائل الاعلام فان وسائل الترهيب تلك تظل غير مسموعة في نينوى والأنبار وحتى صلاح الدين، فالعديد من النشطاء في الموصل تلقوا تهديدات مباشرة من القوات الأمنية، أو غير مباشرة من خلال مسجات وصلت الى هواتفهم أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بمجرد أن يبدر منهم أي تحرك مؤيد للاحتجاجات.

ورغم التهديدات وأجواء الخوف وتحذير الكثير من العائلات الموصلية لأبنائها من الانضمام الى اي حراك مؤيد للاحتجاجات، شهدت العديد من كليات جامعة الموصل ما يشبه الاعتصامات، خاصة بعد بعد 25 تشرين الاول اكتوبر واحتدام المواجهات بين المحتجين وقوى الأمن في بغداد وجنوب البلاد، حيث رفض الطلاب الالتحاق بالدوام.

ثلاث طالبات أردن التقاط صور وهن يحملن أوراق عليها شعارات مؤيدة للتظاهرات، لكن سرعان ما اجتمع حولهن عناصر أمن وتم احتجازهم لساعات “تلقوا خلالها أشكال من التهديدات، وصلت الى الطعن بشرفهن”، بحسب الطالبة (س م) التي قالت “لم نكن ننوي فعل شيء معادي، فقط أردنا التقاط صور وبيدنا شعارات بسيطة تؤيد مطالب المتظاهرين لننشرها على صفحاتنا كنوع من التضامن”.

الشيء ذاته حصل مع اربعة نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قامت القوات الأمنية بمنعهم من التصوير ومن ثم قامت بتفتيش هواتفهم للتحقق ومسح أي تسجيلات وصور مؤيدة للاحتجاجات، وسجلوا ارقام هواتفهم وأخذ عناوين حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي مع رسالة تهديد واضحة بتعرضهم للملاحقة إذا نشروا أي شيء في صفحاتهم.

يقول أحد النشطاء، إنه تلقى تهديدا من أحد المحسوبين على القوات الأمنية لأنه نشر خبر الإضراب العام الذي دعت إليه نقابة المعلمين العراقيين تأييدا للمظاهرات.

ويوضح “اتصل بي وقال لا تتورط بهذه الأمور فهؤلاء بعثيون وسوف يتم محاسبتهم جميعا، وانتم في الموصل أساسا متهمون”.

أحد الناشطين في الموصل قام بنشر إعلان على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي يطلب جمع تبرعات لمساندة الحركة الاحتجاجية في بغداد والجنوب ثم قام بإلغائها، وبعد إن أتصل به فريق العمل أنكر انه نشر هذا الإعلان رغم إن الفريق شاهد إعلانه، وبعد الاستفسار تبين إنه تعرض الى التهديد واجبر على مسح الإعلان وإنكاره.

مصدر في جهاز أمني، كشف لفريق التحقيق، عن انشاء “خلية اعلامية” لمتابعة تحركات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، وعن قيامهم بوضع قائمة باسماء كل من تبدر عنه اشارات تأييد للتظاهرات في بغداد.

المصدر قال ان “الأسماء الواردة في القائمة سيتم ملاحقة أصحابها بلا تردد وتحت عنوان منع العبث بالأمن الوطني”.

 

An Iraqi protester wearing a face bandana and waving a national flag poses past burning tires blocking a road during a demonstration in the southern city of Basra on November 17, 2019, as protesters cut-off roads and activists call for a general strike. – Iraqis flooded the streets of the capital and southern cities in a general strike that bolstered the weeks-long movement demanding a government overhaul. Protesters cut roads in the oil-rich port city of Basra by burning tyres and in Hillah, south of Baghdad, students and other activists massed in front of the provincial headquarters. (Photo by Hussein FALEH / AFP)

قمع داخل الجامعة

بعد قيام طلاب في كلية الهندسة التقنية بنشر صور، تظهر امتناعهم عن دخول الفصول الدراسية وقيامهم برفع أوراق طبعت عليها شعارات مؤيدة للتظاهرات، أصبح تواجد القوات الأمنية ملحوظا داخل أروقة كليات الجامعة، لمراقبة أي تحرك للطلاب.

يقول محمد حميد، طالب جامعي، إن “القوات الأمنية تتابع سجل الغياب وتسجل عناوين الطلاب المتغيبين وتجبرهم بعضهم التوقيع على تعهدات أمنية، كما انها تقوم بمراقبة مكاتب الطبع والاستنساخ في حال قيام أي طالب بطباعة شعارات مؤيدة للمظاهرات”.

ورغم هذا التشديد، إلا إن طلابا من عدة كليات اضربوا عن الدوام وامتنعوا عن دخول الفصول، ما دفع القوات الأمنية الى التشديد على الأساتذة والطلب منهم بفرض امتحانات يومية لمنع الطلاب من التغيب.

يقول محمد الخياط وهو طالب في جامعة الموصل إن “بعض الأساتذة حولوا محاضراتهم الى امتحانات يومية وينصحون الطلاب بعدم التغيب لمصلحتهم. وبرر أحد الأساتذة ذلك بالقول: نحن مجبرون على ذلك، لأن أي تحرك ممكن أن يفسر على انه عصيان ومن الممكن أن يحمل ذلك نتائج كارثية على المدينة”.

صحفي من الموصل (26 عاما) غادرها الى بغداد مع الموجة الاحتجاجية الثانية مطلع شهر تشرين الثاني نوفمبر، حين كان صحفيون من بغداد يغادرونها الى اقليم كردستان خوفا من الملاحقة ومع تزايد التهديدات التي تصلهم، قال “نحن ملاحقون في الموصل ومهددون على نحو أكبر، لذلك قد تبدو بغداد بيئة أكثر أمنا لنا”.

وتابع، وهو يطلب من رفاقه انتظاره للصعود سويا الى اعلى بناية المطعم التركي:”كما اننا نريد ان نشارك في الحراك، وان نغطيه، هناك شيء عظيم يحدث فالشباب المنتفض يسقطون الطائفية بعد 16 عاما من استفحال هذا المرض، وهناك تلاحم غير مسبوق، وشعار جامع: نريد وطنا”.

الصحفي الموصلي، ودعنا سريعا للانضمام الى رفاقه وهو يطرح سؤالا احتجاجيا: “إذا كان القوات الأمنية قتلت في بغداد والجنوب 330 شخصا وجرحت أكثرمن 15 الفا بالرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع، فماذا كانت ستفعل في الموصل والأنبار؟ وماذا كانت ستستخدم ضد المحتجين هناك”.

 

ملاحقات أمنية

في ساحة التحرير رئة الاحتجاجات في العراق وقلبها الكبير، لا يقتصر التواجد فيها على بضعة صحفيين من الموصل يعملون على توثيق ما يحصل للجهات التي يعملون فيها، فهناك نشطاء من المدينة يتواجدون منذ اسابيع في التحرير للمشاركة بالحركة الاحتجاجية بعد أن عجزوا عن فعل ذلك في مدينتهم.

يقول الشاب خالد، الذي يلف علما عراقيا حول عنقه بينما يقف قرب لوحة غرافيت حديثة في نفق التحرير “لن أعود الى الموصل ما لم تحقق الحركة الاحتجاجية أهدافها”.

ويضيف وهو يبتسم “لقد كشفت كافة أوراقي… جهة أمنية قامت بالاستفسار عني في الحي الذي أسكنه، بكل الأحوال لا يمكنني العودة الآن”.

 

الناشط حسن جبار، الذي قرر السفر الى بغداد مع مجموع أخرى من الشباب للمشاركة في الحراك، لكنه أوقف في نقطة تفتيش الموصل وتم منعه من السفر. يقول “بعد تحقيق مطول، أبلغني عنصر أمن انني مرصود وانهم يعرفون عني كل شيء، قال لا يمكنك السفر الى بغداد، نحن نعرف غايتك من التوجه الى هناك”.

إحدى الناشطات في الموصل، رفضت ذكر اسمها، قالت انها “تشعر بالحزن والغضب لعدم قدرتها على ابداء رأيها ومساندة التظاهرات الحقة في بغداد ولو بكلمة او صورة، خوفا من الملاحقة الأمنية وجلب المشاكل لعائلتها”.

وتضيف “هناك الكثيرات مثلي يسكتون مرغمين بسبب المتابعات الأمنية”.

بعد اسبوع من اللقاء الأول بمحمد، الذي خرج من تجربة الاعتقال التي وصفها بالمؤلمة والمريرة، التقاه مجددا معد التحقيق لكن خارج مدينة الموصل، وسأله إذا كان قرار الهجرة خارج البلاد مازال قائما، حتى بعد اعلان الاحزاب الحاكمة “ورقة اصلاحية تبشر باقامة نظام سياسي جديد وانهاء عقد ونصف من الفساد وسوء الادارة”، فرد قائلا “الهجرة ليست خياري بل خيار عائلتي”.

وتابع “لقد هربت من مدينتي خوفا من الملاحقات الامنية لمجرد تضامني مع مطالب المحتجين السلميين التي يقولون انها محقة ولكنهم يقتلونهم بسببها.. قالوا لي انت تحت المتابعة في أي خطوة تقوم بها.. قال لي أحدهم بالحرف الواحد: أنت تحت أعيننا ولن نتركك تعبث بالأمن”.

وأردف وهو يتطلع الى شاشة التلفزيون التي كانت تنقل مشاهد لمواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن “لا يمكن الوثوق بهم، رئيس الحكومة بعد مقتل المئات وجرح الآلاف لا يريد الاستقالة، والأحزاب الحاكمة تخطط للحفاظ على أكبر قدر من امتيازاتها والاستمرار في الحكم تحت أي ظرف”.

توقف لبرهة وهو يتطلع الى السقف، ثم أكمل وهو يبتسم: “أنا لا اعرف كيف يفسرون العبث بالأمن، اعتبروا اللافتة التي رفعتها (عاش العراق) على إنها خرق أمنى.. من الأفضل أن ابحث عن وطن آخر حتى نسترد وطننا المسلوب”.

 

انجز التقرير بدعم من شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية