Network of Iraqi Reporters for Investigative Journalism

شبكة الصحافة الاستقصائية العراقية

حرب على غابات الساحل السوري… من يحرقها عمدا؟

52

تسجّل ضد فاعل مجهول، فمن هو؟

كمال شاهين / صحفي وكاتب سوري

في يوم 3 تشرين الثاني عام 2016، وقبل بدء موسم الأمطار بوقت قصير، كان ابراهيم البودي (اسم مستعار)، قد أنهى تعزيل أرضه المشجّرة بالزيتون وغادر إلى قريته القريبة “بقيلون” في ريف مدينة القرداحة، لينام مبكراً كعادته. قرابة الثانية ليلاً، وعلى وقع صراخ وضجيج وضيق تنفس شعر به، استيقظ مذعوراً. لوهلة، ظنّ اﻷمر عارضاً صحياً، إلا أنّ اﻷصوات القادمة من المحيط أخرجته من منزله ليرى ما لم يكن يتمنى أن يراه في حياته.

في ذاك اليوم اندلعَ خمسة عشر حريقاً في جبال ريف اللاذقية في وقت واحد، بعد مغيب الشمس بساعات قليلة، كان أكبرها في محيط قرية إبراهيم، في منطقة جبل الأربعين بالقرداحة (45 كم عن اللاذقية)، وقد أتى لوحده على 100 هكتار من أصل مساحتها الخضراء الإجمالية البالغة 35 ألف هكتاراً، بعضها أنواع طبيعية (العذر، السنديانيات، الخرنوب…الخ) وأخرى تحريج اصطناعي (صنوبريات). ويعتبر أسوأ ما حدث منذ عقود لمنطقة سياحة شعبية محلية، وقد وصل إلى منازل المدنيين.

كان حدوث الحرائق في يوم واحد أمراً غريباً في ظل معرفة أنّ “غالبية أشجار تلك المواقع من أنواع عريضات الأوراق التي تعتبر نسبة حدوث الحرائق فيها أقل من الغابات الصنوبرية” وفق مديرية زراعة اللاذقية، ومركز مراقبة الحرائق اﻷوروبي، وبتوفّر إمكانية كبيرة للسيطرة على الحرائق وفقاً لحديث عامل اﻹطفاء “باسل” (37 عاماً) الذي شارك في إطفائها، وقال لنا متابعاً “لكن اندلاعها في يوم واحد جعل مستحيلاً إطفائها في وقت واحد”.

حدثت الحرائق في مناطق مختلفة من الساحل يصعب الوصول إليها ويفصل بينها مئات الكيلومترات، ولم يكن لجهاز إطفاء اللاذقية المحدود القدرة أن يصل إليها كلها، رغم استعانته بإطفائيات المحافظات المجاورة. ولأكثر من أسبوع، التهمت النار مئات هكتارات اﻷشجار (أكثر من 400 هكتار) وتحولت المنطقة إلى مسرح دخان وروائح وعانى الناس ضيق تنفس في المدن الساحلية البعيدة نسبياً عن مراكز الحرائق عدا عن عدّة إصابات نالها رجال اﻹطفاء.

(حريق جبل اﻷربعين في محيط قرية بقيلون. مكان التصوير: قرية بقيلون. تاريخ التصوير عام 2016. المصدر: مديرية زراعة اللاذقية ودائرة الحراج، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

(إطفائيات اللاذقية تقوم بعملية إطفاء أضخم حرائق المنطقة منذ عام 2010. تاريخ التصوير عام 2016. المصدر: مديرية زراعة اللاذقية ودائرة الحراج، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

بعد مضي أكثر من عامين على الواقعة، يتجول الرجل السبعيني ابراهيم البودي في أرضه باحثاً عن برعم أخضر لم يظهر بعد. يهمس بحزن قائلاً: “لفحت النار وجهي عدّة مرات، وكدت أن أموت، لكن لا فائدة، الله لا يسامح من كان السبب”، حين نسأله في لقائنا معه عمن هو السبب بتقديره، يهز برأسه ويغادر المكان.

“السبب” الذي لم يستطع ابراهيم اللفظ باسمه “خوفا”، هو تلك الأيدي البشرية التي تشعل الحرائق بغرض استثمار الغابات المتفحّمة عبر تجارة تسيطر عليها أسماء محدّدة ويمنع اقتراب غيرهم منها، إضافة إلى احتمال تحويل المناطق المحروقة إلى مناطق استثمار عقاري في المستقبل، كما تكشف مصادر في هذا التحقيق.

هجوم جماعي على الغابات؟

يقول المهندس الزراعي “منذر” (26 عاماً) وابن إبراهيم، في حديث معنا جرى في قريته أنّ “الحرائق لم تهدأ منذ الحريق الكبير (كما سمّي حريق العام 2016) حتى الشهر الحالي، إذ اندلع حريق في تشرين الثاني 2018 قرب قلعة المهالبة، وامتدّ إلى جبل اﻷربعين مع رياح شرقية جافة شديدة زادت سرعة انتشار النار، إلا أنّ فرق الإطفاء سيطرت عليه قبل أن يصل لمنازل المدنيين بعد أن التهم 15 هكتاراً من اﻷراضي الزراعية المشجرة بالزيتون”. وإلى اليوم، شهدت منطقة القرداحة وحدها نشوب 75 حريقا حراجياً بمساحة إجمالية فوق 40 هكتاراً، وبسبب هذه الحرائق المستمرة تدمّر أكثر من 90% من الغطاء النباتي للمنطقة ككل.

(خريطة مأخوذة من جوجل ماب توضح النسبة الكبيرة لحرائق جيل اﻷربعين، تاريخ النفاذ: آذار 2019)

غالبية الحرائق نشبت “بسبب العوامل البشرية، سواء كانت عمليات إحراق متعمد، أو غير متعمد مثل حرق المخلفات الزراعية وصناعة الفحم وحرق نواتج الغابة. وقد ارتفعت نسبة الحوادث المتعمدة في الساحل من (41 %) بين عامي 1987-1998 لتصبح بين 2011-2018 فوق (90%)” كما يشير المهندس، يقظان معروف، من جامعة تشرين في كلية الزراعة في مدينة اللاذقية.

وما تزال النسبة في ارتفاع وفق تقرير لمديرية زراعة اللاذقية، حيث التهمت الحرائق عبر سنوات الحرب بين 2010-2018 أكثر من ربع مساحة غابات البلاد، فوصل عددها إلى ألفي حريق مسجلين رسمياً بمساحة إجمالية بلغت 103 ألف هكتار محروق، كان نصيب الساحل منها فوق 800 حريق، بعض منها ناتج عن العمليات العسكرية (كما حدث في مناطق البسيط التي خسرت 13 ألف هكتار عام 2013).

وفي طرطوس تم تسجيل (1300) حريق (بما فيها الحراجية أقل من 25 هكتار) بأنواع مختلفة في العام 2016، و851 حريقاً العام 2017، أبرزها حريق في منطقة ضهر العنازة (المشيرفة) التهم مساحة 20 هكتاراً من الصنوبر البروتي، وحريق غابة مجدلون البستان في صافيتا، وفي مناطق السفح الشرقي لجبال الساحل أتى حريق في منطقة مصياف أواخر العام 2017 على بقية غابتها التي كانت متنفس المنطقة الوحيد، ولم تنفع احتجاجات أهاليها أمام الهيئات الرسمية بإيقاف أشخاص محددين.

في السنوات اﻷخيرة زادت الاعتداءات على الغابة السورية باعتبارها مورد الرزق الأسهل واﻷقل تكلفة وخطورة، مقارنةً مثلاً بالزراعة، فقد دفع كل من غياب فرص العمل وتضخم العملة المحلية إلى عشرة أضعاف وأزمة الوقود المستمرة نتيجة العقوبات الدولية على سوريا وسيطرة مجموعات مسلحة على مواقع الطاقة شرق البلاد إلى رفع سعر وقود التدفئة عشرات الأضعاف.

(جدول يوضح أعداد الحرائق في سوريا بين عامي 2008-2018 مع المساحات فوق 25 هكتاراً، إجمالي المساحات المحروقة بلغ 103 ألف من أصل 525 ألف هكتار. المصدر: المركز اﻷوروبي للحرائق، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها).

 

يقول حسينو (42 عاماً)، موظف في شركة التبغ (الريجي) من قرية (بشلاما) ريف القرداحة، أنه يحطّب في الغابة القريبة أيام عطلته من الصباح إلى المساء، ويبيع جزءا من الحطب وآخر يتركه للتدفئة في قريته الباردة، فراتبه (50 دولاراً) “بعد 20 عاماً من خدمة الدولة، لا يكفي أجرة طريق لأولاده إلى الجامعة” وفق قوله.

تزايد عمليات التحطيب في السنوات القليلة الماضية زاد من مخاطر اندلاع الحرائق، كما تشير المهندسة الزراعية “ليال” ( 26 عاماً) من مديرية زراعة طرطوس، بحكم أنّ “نسبة كبيرة منها صنوبريات قابلة للاشتعال بنسبة كبيرة لاحتوائها على زيوت راتنجية سريعة الاشتعال، وتطاير قشور الساق والمخاريط أثناء احتراقها لمسافات بعيدة مع الرياح متسببةً بانتشار الحريق بسرعة كبيرة في وقت قصير جداً”.

(أثناء تنقلنا التقطنا هذه الصورة لعملية تحطيب ﻷجل التدفئة في وديان بيت ياشوط، تمت تعمية الوجه ﻷسباب أمنية وشخصية. المكان: وادي الجنة بتاريخ 21 شباط 2019. خاص حكاية ما انحكت)

(حرائق مصياف العام 2017 و2018 والصورة في منطقة الزويتينة. الصورة مأخوذة عن صفحة مصياف على الفيسبوك وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل، والحقوق محفوظة لأصحابها)

(تحريق زراعي في منطقة العنازة بريف بانياس أودى بمساحة من الغابة المجاورة لأراض زراعية. مكان التصوير جبل اﻷسود. تاريخ التصوير 4 تشرين اﻷول 2015. خاص حكاية ما انحكت)

يضيف الطبيب “جلال” (28عاماً)، وهو ناشط في جمعية بيئية في طرطوس: “تبقى أغصان وأوراق ساق الصنوبر الأقرب إلى الأرض يابسة، وتعتبر وقوداً أولياً بأي حريق وتشتعل مباشرة وبكثافة، ولهذا تقوم مديرية الزراعة والحراج بتقليمها وإزالتها سنوياً”.

إلى جانب طبيعة الغابة الخاصة، فإنّ المزارعين القاطنين جوار الغابات يقومون بتحريق أراضيهم من اﻷعشاب اليابسة في أوقات حرجة كموسم قطاف الزيتون (تشرين اﻷول والثاني).

يقول المزارع “حسن علي” (52عاماً/ اسم مستعار) من منطقة “الزوبة” ـ طرطوس أنه “في العام الماضي أشعل النار في بقايا زراعية في أطراف أرضه فأدت لحريق جزء من الغابة المجاورة” قبل أن يتصل باﻹطفاء ويحضروا ﻹطفائها.

 

الميلشيات، سلطة فوق أي قانون؟

يتيح التفحيم والتحطيب والتقطيع الحصول على دخل جيد مقارنة بغيره من الأعمال اﻷخرى المتوفرة زمن الحرب، إذ يصل سعر كيلو حطب التفحيم إلى 50 ليرة (4 سنت)” في حين يباع “كيلو الفحم بين 300-500 ليرة (0.6-1 دولار) في المفحمة، ويصل في السوق الساحلية إلى 1200 ل.س (2.5 دولار) بينما في دمشق يتجاوز 1500 ل.س (3 دولار)” كما يقول الشاب “حسّان” (32عاماً) صاحب مفحمة مرخصة في ناحية العنازة بريف بانياس، في لقاء معنا جرى في قريته، مضيفاً: “هناك منافسة شديدة من أشخاص يقومون بالتفحيم والتحطيب في أماكن صارت شبه معروفة ولكن لا أحد لديه القدرة على ردعهم، وسلاحهم جاهز في أي وقت”، وبسبب ضعف خبرتهم في هذا المجال (كما يشير حسّان) فإن “احتمال تسبّبهم بالحرائق وارد جداً”.

في شهر شباط الفائت، وصلنا إلى مفحمة في منطقة بيت ياشوط (40 كم عن مدينة جبلة) التي سبق أن شهدت حريقاً وسط أحراش قرية “بشيلي” أتى على 10دونمات من الصنوبر والأرز في تشرين الثاني العام 2018 (نفس توقيت الحرائق عام 2016)، وهو ما يرجح وجود دور لهذه المفاحم في التسبب بهذا الحريق وفق معلومات محلية.

وبناء على اتصال مسبق مع أحد المقربين من أصحاب المفحمة، تواجد في المفحمة ثلاثة أشخاص، أحدهم يحمل بندقية كلاشينكوف، ويرتدون معاطفاً عسكرية تابعة وفق الشارة إلى ميلشيا صقور الصحراءالتي أسسها رجل اﻷعمال المعروف “أيمن جابر” في العام 2015 وغالب منتسبيها من المنطقة الساحلية وتمتعت بنفوذ عسكري ومدني في المنطقة إلى اﻵن رغم حلها.

(مفحمة غير شرعية تابعة ﻷحد المعلمين في منطقة ريف بيت ياشوط، وادي الجنة. مكان التصوير وادي الجنة. تاريخ 21 شباط 2019/ خاص حكاية ما انحكت)

يقول الشاب “أحمد” (اسم مستعار، 26 عاماً ويده اليسرى معطوبة جرّاء إصابة عمل): “نحتاج ثلاث أيام ﻹنهاء الوجبة، بعد ذلك ننقلها على الدراجات إلى مكان محدد ويأخذها جماعة المعلم”.

ينتمي هؤلاء إلى بقية جيل استهلكته الحرب السورية ثم لفظته بعد تفكيك الميليشيات الموالية للحكومة عام 2017، إثر قرار روسي بذلك، إلا أنها بقيت ذات فاعلية، خاصةً بعودة جزء من أفرادها إلى ظلال تبريرات التضحيات التي قدموها زمن الحرب. إلى اليوم ما زال الوضع اﻷمني متشابكاً بين هذه القوى غير الرسمية وبقية منظومات الدولة، وبقية منها ما تزال فاعلة في مناطق معينة خاصة، وذلك لعدم انتهاء دورها كلياً، سواء في بعض جوانب الحرب السورية أو في المنطقة نفسها، رغم أن قسماً جيداً منها تم تفكيكه وضمّه إلى قوى عسكرية أكبر مثل الفيلق الخامس.

تستعمل مفردة “المعلم” دون لفظ اسمه الصريح، إلا أنه حاضر، يردع أي محاولة للاقتراب من المفحمة غير المرخصة، وعادة ما يكون “المعلم” شخصاً عسكرياً ذا منصب هام سابقاً أو لا يزال على رأس عمله، ولا أحد قادر على توقيف هذا المعلم ولا أفراد جماعته، وتبقى كل اﻹجراءات ضدهم قاصرة وغير رادعة في ظل وجود ارتباطات للمعلم بكل دوائر الدولة، سواء كان اﻷمر متعلقاً بالرشاوى أو التهديد.

“نحنُ دفعنا من دم قلبنا كي يعيش غيرنا، ومن حقنا نعيش، أصلاً لولانا ما كان في لا أخضر ولا يابس”، يقول “أحمد” الذي شارك في المعارك إلى جوار ميلشيا “الصقور” لثلاث سنوات في منطقة تدمر (وسط البلاد): “لا أمتلك أية مهنة ولا شهادة، ولم يكن أمامي خيار آخر، الدولة والجماعة (يقصد إدارة الميلشيا) لم تعوّض عليّ فرنك واحد، وفوق ذلك عليّ خدمة جيش من جديد، عليّ أن أعمل ﻷكل وأعيل 3 أطفال صغار، الله يخليلنا المعلم”.

تستعمل مفردة “المعلم” دون لفظ اسمه الصريح، إلا أنه حاضر، يردع أي محاولة للاقتراب من المفحمة غير المرخصة، وعادة ما يكون “المعلم” شخصاً عسكرياً ذا منصب هام سابقاً أو لا يزال على رأس عمله، ولا أحد قادر على توقيف هذا المعلم ولا أفراد جماعته، وتبقى كل اﻹجراءات ضدهم قاصرة وغير رادعة في ظل وجود ارتباطات للمعلم بكل دوائر الدولة، سواء كان اﻷمر متعلقاً بالرشاوى أو التهديد.

 

العلاقة مع “المعلمين” بالنسبة لمن هم خارج المنظومة محكومة باﻹبعاد الفوري ولا يمكن الاقتراب أو الحديث بالنسبة للموضوع المطروح بأي شكل كان وإلا كان هناك ما لا يحمد عقباه، فكيف إذا كان صحفياً؟

واحدٌ من هؤلاء “المعلمين”، نائب رئيس فرع أمني سابق لا يزال مدعوماً، وضع يده على غابة كاملة في منطقة جبل قرفيص ويعرفه أهالي المنطقة بالاسم، ويطلب أفراد الضابطة الحراجية رضاه كي لا يقوم بأذيتهم ونقلهم من أمكنة عملهم إلى أمكنة بعيدة، والنتيجة هي استمرار التعدي على الغابات والتقطيع والتفحيم دون أي رادع.

(مستودع فحم في مدينة جبلة تابع ﻷحد المعلمين (ح.أ). تاريخ التصوير 12 آذار 2019. المكان: منطقة الرميلة في جبلة/ خاص حكاية ما انحكت)

يقول “ياسين” (35 عاماً، يعمل في التحطيب في غابات قرفيص) خلال لقاء معه أن “هناك مبلغاً من المال (يصل سنوياً إلى حدود 100 ألف (200 دولار) يجب تسليمه إلى وكيل المعلم، وفي حال التأخر عن الدفع يمنع الشخص المعني من أي نشاط في الغابات المحيطة”.

بفضل هذه التجمعات التي تتغاضى، مجبرةً عن وجودها وعملها، غالبية الأجهزة الأمنية و الرسمية، فقد تمت إزالة أحراش كاملة في مناطق ريف بانياس والحفة والقرداحة وأماكن أخرى.

يقول “محمد. أ” خلال لقاء مباشر معه، وهو أحد العاملين في التحطيب من قرية الدردارة في ريف بانياس أن “أعضاء الميليشيات معروفون للجميع بما يفعلون في أحراش ووديان المنطقة، ودورهم لا يقتصر فقط على التفحيم، فالتحطيب مع ارتفاع سعر الوقود وعودة شبح فقدانه عدّة مرات رفع سعر طن الحطب من حوالي 15 ألف ل.س (30 دولاراً) إلى 80-90 ألف (180-200 دولار) في العام الحالي، وهم قادرون على إيصاله إلى أي مكان عبر شبكة من العملاء المنتشرين في كل المناطق”.

تشكل المفاحم خطراً على الغابة نظراً لانعدام الشروط الفنية في عمليات التفحيم التي يمكنها بسهولة أن تتسبّب في اندلاع حرائق، خاصة بغياب عمالها عنها، إلا أنّ مصلحة المفحمين الرئيسية هي اﻹبقاء على الغابة وليس حرقها عمداً بحسب الناشط “حازم حسن” (41 عاماً، موظف، رئيس جمعية بيئية في الساحل، اسم مستعار).

تشكل المفاحم خطراً على الغابة نظراً لانعدام الشروط الفنية في عمليات التفحيم التي يمكنها بسهولة أن تتسبّب في اندلاع حرائق، خاصة بغياب عمالها عنها، إلا أنّ مصلحة المفحمين الرئيسية هي اﻹبقاء على الغابة وليس حرقها، لأنها مصدر رزقهم

يقول حسن: “لا يستفيد المفحمون من قطع مورد رزق لهم يمكن أن يستمر سنوات، فأي أرض تحترق توضع إشارة حريق على صحيفتها العقارية.. وحدهم القادرين على إزالة تلك الإشارة قادرين على افتعال الحرائق الكبيرة”.

 

الضابطة الحراجية “راحت أيام العزّ

في شهر آذار العام الماضي وأثناء جولته الدورية في الغابات القريبة من قرية “بستان الصوج” في ريف الدريكيش سمع الخفير الحراجي حسام (50 عاماً) صوت منشار آلي وتكسّر أشجار. وبعد أن قام بتوثيق الواقعة عبر تصويرها على موبايله، حاول مصادرة المنشار واقتياد صاحبه إلى المخفر، إلا أنّ صاحب المنشار سحب عليه مسدسه، مهدّداً إياه بالقتل في حال اقترب منه. يقول حسام: “لم يكن أمامي سوى مغادرة المكان، فالرجل جاد في تهديده عدا عن أنه مدعوم”.

هذا الخفير الذي أمضى قرابة ثلاثين عاماً في الخدمة تلقى تهديدات متكررة، إثر إبلاغه الهيئات الرسمية عن عدد من الخروقات، مما جعله في النهاية يطلب نقله من وظيفته إلى عمل لا علاقة له بالحراج. “فيما مضى كان للخفير الحراجي هيبة”، يقول الرجل مستخدماً مثلاً سورياً، “أما اليوم فثمنه نصف فرنك مصدّي”.

لم تكن هذه الواقعة وحيدةً، فأكثر من خفير في الضابطة الحراجية تعرّضوا لمواقف مشابهة أو طلبوا نقلهم من عملهم بحسب شهادات حصلنا عليها من أهالي المنطقة.

مصيرُ  الضبوط التي تسجلها دائرة الحراج، يختلف تبعاً للأشخاص المتورطين فيها، وعادةً ما يتم التضحية ببعض “الصغار”، كي تظهر اﻷجهزة الرسمية على أنها تقوم بواجبها

ووفق قانون الحراج في كل نسخه التي صدرت، وآخرها القانون رقم 6 لعام 2018 الخاص بتنظيم واستثمار المناطق الحراجية، فإن من واجب الخفير منع التعديات على الغابة واﻷحراش، وأي غطاء نباتي أخضر، بما في ذلك قطع اﻷشجار ضمن الملكيات الخاصة، واقتياد المخالفين إلى أقرب مخفر بقوة السلاح. فملكية الغطاء النباتي في سوريا كلها للدولة. ويقول الخفير إنه كان سابقاً يصادر اﻷدوات وهوية الشخص المعني ويكتب تقريراً رسمياً بالمخالفة ويسلمه لدائرة الحراج التي تقوم بتحويل التقرير إلى الجهات المختصة (الشرطة المدنية واﻷمن الجنائي) الذين يقومون بالتحقيق في اﻷمر ومن ثم تحويل الشخص المعني إلى القضاء.

إلا أنّ “هذا القانون صار اليوم حبراً على ورق.. إن شخصاً من الدفاع الوطني ومسرّح من عمله قادر على تركّيع أي خفير ولو كان عنده خمسين سنة خدمة” وفق كلام الخفير السابق، في ظل القوة النافذة لمختلف المجموعات المسلحة الموجودة بحكم اﻷمر الواقع في هذه المناطق.

وتعمل الضابطة الحراجية انطلاقاً من بنية تحتية أولها أبراج المراقبة التي بقي منها عشرة فقط من أصل 38 برجاً تغطي أكثر من 230 ألف هكتار هي مساحة اللاذقية. وبالمثل في محافظة طرطوس فإن الحال مشابه، رغم أنها لم تعش أعمالاً حربية.  يقول خفير حراجي هناك إن “أجهزة اللاسلكي التي تستعملها الضابطة تعرضت بحكم العقوبات الاقتصادية إلى أعطال لا تنتهي وبات عدد الصالح منها أقل القليل”.

(أحد أبراج المراقبة في منطقة بيت ياشوط. يلاحظ خلو البرج من أية تجهيزات مساعدة للخفير. الصورة من دائرة الحراج. تاريخ للتصوير11 شباط 2019/ خاص حكاية ما انحكت)

ورغم التهديدات التي يتعرض لها الخفراء من قبل أشخاص متنفذين فقد تم تنظيم أكثر من 669 ضبطاً مختلفاً موزعة على قطع أشجار وتفحيم وبيع ونقل ووضع يد في طرطوس وفقاً لمديرية الزراعة ودائرة حراج طرطوس، أما في اللاذقية فإن عدد الضبوط التي حوّلت إلى القضاء، بلغ 20 فقط وفق معلومات محامي من المدينة.

مصيرُ هذه الضبوط يختلف تبعاً للأشخاص المتورطين فيها، وعادةً ما يتم التضحية ببعض “الصغار” على حد وصف الخفراء الذين قابلناهم، كي تظهر اﻷجهزة الرسمية على أنها تقوم بواجبها، خاصةً إذا أخذنا بالاعتبار أنّ 90% من المخالفات الغابية تسجل ضد فاعل مجهول. فمن هو هذا المجهول؟

استثمارات “اﻷساتذة” هي سبب الحرائق الكبيرة؟

حتى عام 1994 كان مشهد البلدوزرات، وهي تجرّف وتسحق عشرات الهكتارات من اﻷشجار الحراجية في قمم الجبال المجاورة مشهداً مألوفاً للعديد من سكان عين البيضا وصلنفة والقرداحة وغيرها من المناطق في محافظة اللاذقية، دون قدرة أحد على الاحتجاج، وجميع من قابلناهم من خفراء أو محامين أو ناشطين بيئيين يقولون إنها تتبع “للأساتذة” (وهم معروفون بالاسم) الذين لا يدفعون حتى ثمن وقود الآليات، بل كانوا، قبلاً وبعداً، يحضرونها مع سائقيها من مشروع التنمية الزراعية، وهو ما أكده السائق “أيمن” (39عاماً) من قرية “نبع الخندق” (تتبع لبلدة بستا) مضيفاً: “هذا اﻷمر قديم، اليوم انتقلوا إلى استثمار تلك الأراضي ولا قوة تقدر على انتزاعهم منها”.

يروي المحامي “أنور” (52 عاماً/ اللاذقية) في لقاء معنا: “كان يتم تشجير تلك اﻷراضي بأشجار مثمرة معمّرة عمرها فوق 15 عاماً تجلب من أمكنة أخرى، مثل الزيتون، وترفع دعوى تثبيت ملكية أمام القضاء بدعوى أنها ملكية خاصة لم يتم تسجيلها عقارياً والدليل اﻷشجار المعمّرة، وعبر تواطؤ مع اللجان الخاصة باﻷمر تنقل الملكية إلى ملكية خاصة”، وهو ما حدث في عدة مناطق حيث أن نسبة أملاك الدولة هي اﻷعلى نظراً لوجود النسبة اﻷعلى من الغطاء الشجري فيها (65%).

عام 1994 تم إجراء تصوير جوي للأراضي السورية وتحديد مساحات اﻷحراج والغابات بدقة، يقول المحامي أنور: “لم يعد التعدّي على أراضي الحراج المملوكة للدولة ممكناً (نظرياً)، ولم يعد سيناريو الاستملاك صالحاً، ولذلك فقد كان التوجه لاحقاً إلى محاولة استثمار هذه اﻷراضي عن طريق حرق أشجارها، حيث أن اﻷراضي المحروقة، حسب قانون الحراج، يوضع في صحيفتها العقارية إشارة حريق (المادة 14-ب)، وإزالتها وفقاً للقانون 6/2018 ممنوعة ويجب إعادة تشجيرها، وهو ما أغلق الباب أمام الاستثمار العقاري في اﻷحراج، وأبقى على الاستثمار الاقتصادي”.

كثير من علامات الاستفهام يطرحها اﻷهالي في المنطقة، ومثلها شهادات تشير إلى أنّ هؤلاء “المعلمين واﻷساتذة” يعمدون إلى افتعال حرائق مقصودة تقضي على الأغصان الصغيرة وتبقي جذوع الأشجار مما يسهل عليهم كثيراً استغلالها عبر المزايدات الرسمية التي تطرحها مديريات الزراعة لاستثمار نواتج اﻷرض المحروقة من اﻷشجار بشكل رسمي ويكون لهم فيها الفوز بأي ثمن.

بعد وقت قصير على نهاية كل حريق، وفي أي مكان في الساحل السوري، يظهر تجّار من خارج المنطقة، يقومون فوراً بتقطيع اﻷشجار المحروقة وغير المحروقة وينقلونها إلى جهات مجهولة، ويمنع على اﻷهالي منعاً باتاً الاقتراب من المناطق المحروقة والاستفادة حتى من غصن واحد (كما منعنا من الوصول إلى بعض مناطق حرائق جبل اﻷربعين بما في ذلك التصوير)، والذريعة لدى الحراس الذين يرتدون لباساً عسكرياً هي أنّ “اﻷستاذ دافع ومستثمر الغابة”.

أمّا من هو “الأستاذ” فمثله كمثل “المعلّم” إلا أنه أعلى مرتبةً رغم كونه شخصاً مدنياً لا عسكرياً، ولا يظهر أبداً في أي صورة من صور هذه اﻷعمال، فهناك ممثلين عنه في كل مكان يحتاج إلى بصمته وتدخله.

في شهر تشرين الثاني العام الفائت، طلب محافظ اللاذقية إلى مخفر “الجنجانية” في ريف اللاذقية الشرقي إرسال دورية لمصادرة مستودع فحم وحطب في مكان محيط بالقرية، وبعد مشادّة حادّة مع الدورية التي كان يقودها مدير مخفر عين البيضة (وهو ضابط من حماة نغفل اسمه لضرورات أمنية) قام أصحاب المستودع التابعين للأستاذ (ح.أ) بضربهم وإصابتهم بكدمات واعتقلوا مدير الناحية لساعات قبل أن يتدخل اﻷستاذ نفسه عبر اتصال هاتفي ويطلق سراحه، بعد ذلك طلب نقله إلى مكان آخر.

أحد “الأساتذة” المعروفين أيضاً بالاسم قام عبر جماعته بقطع أشجار معمّرة في محمية الشوح واﻷرز بقيت صامدةً منذ الحروب الصليبية.

في مناطق أخرى تخف سيطرة اﻷساتذة، كما في طرطوس، ويظهر بدل عنهم “المعلمين” الذين أقدموا ويقدمون رغماً عن إجراءات الجهات المعنية باستمرار على قطع الغابات واﻷحراش.

كثير من علامات الاستفهام يطرحها اﻷهالي في المنطقة، ومثلها شهادات تشير إلى أنّ هؤلاء “المعلمين واﻷساتذة” يعمدون إلى افتعال حرائق مقصودة تقضي على الأغصان الصغيرة وتبقي جذوع الأشجار مما يسهل عليهم كثيراً استغلالها عبر المزايدات الرسمية التي تطرحها مديريات الزراعة لاستثمار نواتج اﻷرض المحروقة من اﻷشجار بشكل رسمي ويكون لهم فيها الفوز بأي ثمن.

إن ما نتج عن حريق جبل الأربعين من أشجار محترقة (ويقدر عددها بعشرات الآلاف) الذي قامت بتقطيعه مديرية الزراعة في اللاذقية رسمياً، كان من نصيب “الأستاذ” (ب.أ) وفقاً لمعلومات من داخل المديرية، ولم يمكن التأكد من التلزيم بالطرق المعتادة عبر الاطلاع على المناقصات المقدمة.

يقول مصدر من المديرية لكاتب التحقيق أن “هناك شركات تتخفّى وراء أسماء غير معروفة، وتكون مؤسسة لغرض المشاركة في هذه التلزيمات منعاً لدخول أي أشخاص غير معروفين، وحتى في حال دخل هؤلاء يتم إخراجهم بطرق مختلفة، منها إعطاؤهم مبالغ مالية ضماناً لتقديم سعر أدنى”.

في المزايدة السابقة تقدمت ثمانية شركات يعتقد أن جميعها تابعة للأستاذ نفسه!

 

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم من شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية وتحت إشراف كمي الملحم

نشر التحقيق في موقع “حكاية ما نحكت”

حرب على غابات الساحل السوري… من يحرقها عمدا؟