Network of Iraqi Reporters for Investigative Journalism

شبكة الصحافة الاستقصائية العراقية

تجارة الجنس .. دهاليز بغداد السرية

1729

تحقيق : أحمد الربيعي / حسن الناصري/ بغداد

في تشرين الثاني 2014 وقفت “أندومي” ذات الأربعة عشر ربيعا، وحيدة على باب مرآب النهضة في جانب الرصافة من العاصمة بغداد التي لم ترها من قبل، لم تكن تحمل معها سوى 70 الف دينار عراقي (55 دولارا) وحقيبة صغيرة وتلفون كانت تتصل من خلاله برقم دون ان تحصل على رد.

“كنت اتلفت حولي وأرى عيون السواق والمسافرين تلاحقني.. لأكثر من ساعة تسمرت في مكاني حتى بدأت دموعي تنهمر، لم أكن أعرف الى أين سأمضي، وليست لدي أي فكرة عن ما يجب ان أفعله، يائسة وعاجزة كأي طفلة ضائعة، انتظر أي أحد يمد يده لي” تقول اندومي.

كان طريقها من السليمانية أقصى شمال العراق إلى مقصدها محفوفاً بالمخاطر، حيث كان تنظيم الدولة الاسلامية المعروف بداعش يسيطر على الطرق الرئيسية بين شمال ووسط البلاد ويتقدم للاستيلاء على مزيد من الأراضي راسما الرعب والفوضى في ارجاء البلاد.

جمال عينيها الواسعتين المائلتين للزرقة وبشرتها البيضاء المائلة للشحوب، ولكنتها العربية الضعيفة كشفت منذ الوهلة الأولى لمن في المرآب عن قوميتها الكردية. بعد ساعة من الترقب تقدم اليها رجل خمسيني بدعوى مساعدتها. ومع حلول المساء كانت اندومي قد عبرت أولى أسوار عالم تجارة الجنس.

في الثالث والعشرين من شباط 2012 أقر البرلمان العراقي قانون مكافحة الاتجار بالبشر، واعتبر القانون في نصه أن “تجنيد اشخاص أو ايوائهم، بوساطة التهديد بالقوة أو الاحتيال أو الخداع بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال البغاء أو الاستغلال الجنسي أو الاسترقاق”، كلها شكلاً من اشكال الاتجار بالبشر.

يكشف هذا التحقيق من خلال شهادات خمس ضحايا، نساء، من (السليمانية والانبار والموصل والبصرة وبغداد) وجود عصابات للاتجار بالبشر في العراق، تستغل الى حد الاستعباد ضحاياها بالعمل في بيوت بغاء او كافيهات ومراكز مساج. ويُبين العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى تورط بعض النساء مع شبكات الاتجار بالجنس، ويُظهر دور بعض الجهات في هذا الملف، وكيف يتم التعتيم عليه من قبل مسؤولين حكوميين.

 

عالم تجارة الجنس

في منزل يحيط به سور عالٍ تغطيه اشجار النخيل والسدر “النبك”، وبوابة صغيرة تكاد لا تفتح سوى مرات قليلة في اليوم بمنطقة الكرادة وسط بغداد تقطن “اندومي” مع أخريات يشاركنها عالمها المغلق الصغير في ذلك “القصر” الذي يبدو جميلا وهادئا، لكنه صاخب بقصصه وصارخ بآلام الاستغلال والعبودية وتجارة البشر.

بعد أكثر من نصف ساعة من الانتظار، في إحدى الكافيهات الصغيرة التي يعج بها مرتاديها وسط العاصمة بغداد، حيث كان موعد لقائنا، دخلت “اندومي” بفستان مخملي أحمر قصير يظهر معظم ساقيها البيضاوين، بعد موافقتها على اجراء مقابلة صحفية شريطة عدم الكشف عن هويتها.

جلست “اندومي” محنية الظهر تقارب ساقيها من بعض شابكة يديها بقوة، وهي تورد تفاصيل هروبها “المرعب” من منزلها في السليمانية (381 كم شمال شرق العاصمة بغداد) وسط ظروف انهيار الأمن، وبكلمات متقطعة وعيون ملأتها الدموع تحدثت عن “حزن والدتها” عليها، وعن سماعها فيما بعد بوفاتها بعد هروبها من العاصمة بأشهر.

“بالكاد كنت قد بلغت الـ 14 عاماً حين قرر والدي تزويجي بشخص كردي من مدينتي يكبرني بـ 33 عاماً… تم كل شيء سريعاً بعد أن تلقى ستة ملايين دينار كمهر لقاء قبوله بتزويجي”، تقول اندومي “عشت معه حياة غريبة، كان يتعامل معي كمومس وليس كزوجة، وهو ما دفعني للتفكير بالانتحار”.

عائلتي عاشت لفترة في كركوك، وتعلمت هناك العربية، ولم أكن قد زرت بغداد في حياتي، ولم تكن تربطني علاقة مع أي شخص هنا، ليس سوى صديقة على الفيسبوك شجعتني على الهروب للعاصمة بدل الانتحار، قبل ان تختفي هي ايضا ويصبح تلفونها خارج الخدمة، تقول اندومي.

تضيف وهي تحرك كلتا يديها في الهواء “ساعة وصولي لبغداد ووسط الضياع الذي كنت اعيشه، اقترب مني رجل كبير، بدا ودودا وهو يحمل منديلاً أعطاه لي لأمسح به دموعي… اخبرته سريعا أني لا أملك أي اقارب هنا…اقترح ايوائي في مكان آمن… قبلت لم يكن املك أي خيار”.

تشاطر “اندومي” مع أكثر من عشرين فتاة أخرى، اثنتين منهما من العاصمة بغداد والاخريات من المحافظات الغربية والوسطى والجنوبية، المنزل الذي تديره “أم فراس”.

كانت أيام “اندومي” الأولى في منزل “أم فراس” مرعبة “بكيت لأكثر من أسبوعين دون انقطاع”، لكن مشغليها اقنعوها أخيراً بأن لا عودة لمنزلها، محذرين اياها من “القتل” في حال طلبت ذلك.

تهيء “أم فراس” أندومي كل ليلة، فيتم تزيينها والاعتناء بملابسها الداخلية والخارجية، لتنقل إلى دور “الزبائن” لممارسة الجنس بشكل يومي تقريباً، ثم تعود صباحاً للمنزل بسيارة خاصة.

تحاول “اندومي” بشتى الطرق توفير بعض الأموال بعيداً عن أعين مشغليها، حيث تتقاضى “في الليلة  الواحدة نحو 200 دولار تذهب 120 دولاراً منها الى “أم فراس” مقابل ايواء كل فتاة واطعامهن، فيما تحتفظ “اندومي” بنحو 70 دولاراً فقط.

 

من زوجة داعشي الى ضحيّة اتجار

“أم خديجة” التي لم تبلغ الأربعين من عمرها بعد، تقطن في المنزل نفسه، وهي تعمل صباحاً في أحد كافيهات بغداد، وتتحول في المساء الى زبونة للجنس، تُنقل عند الحاجة لإحدى دور البغاء مقابل الحصول على بعض المال.

وصلت “أم خديجة” العاصمة بغداد بمساعدة والدتها بعد مقتل زوجها “أحد امراء تنظيم داعش” في مدينة الرمادي (110 كم غرب العاصمة بغداد). “كان مقتله خلاصي الوحيد من وحشيته وقسوته التي عانيت منها لسنوات”، تقول “أم خديجة”.

بدأت رحلة “أم خديجة” إلى بغداد منتصف عام 2015، بعد أن دفعت مبلغ 25 الف دولار لأحد عناصر تنظيم داعش لإخراجها من المدينة المحاصرة، مصطحبة ابنتها ذات الخمسة عشر ربيعاً.

استأجرت “أم خديجة” التي تحمل شهادة الدبلوم في إدارة الأعمال، منزلاً متهالكا شرقي العاصمة، وبدأت العمل بعد أيام في احدى منظمات المجتمع المدني، إلا أنها تركت المنظمة بعد ثلاثة أشهر لضعف الاجور التي كانت تتقاضاها لقاء عملها شبه التطوعي.

تعرفت “أم خديجة” مصادفة على إحدى النساء التي عرضت عليها العمل كعاملة مساج في أحدى مراكز المساج بـ 750 دولارا شهريا مع الحصول على مبالغ اضافية “تصل في بعض الأحيان إلى 25 الف دينار بشكل مباشر من رواد المركز، لقاء خدمات إضافية ” تقول “أم خديجة”.

بعد أشهر قليلة تمت مفاجأة “أم خديجة” بوجود تسجيلات مصورة لها، تظهر فيها وهي تمارس الجنس مع بعض زبائن المركز، فيما تمت مساومتها على بيع ابنتها الوحيدة “وسن” إلى إحدى النساء (القوادات) مقابل 5000 دولار.

لم ترضخ “أم خديجة” في بادئ الأمر للابتزاز، لكنها استسلمت أخيرا، واشترطت أن تكون إلى جانب ابنتها في المنزل الجديد الذي ستعيش فيه، لهذا بيعت هي ايضاً إلى “أم فراس” بمبلغ 2500 دولار.

“بكيت كثيراً في أول ليلة أخذوا فيها وسن، كأن روحي وقلبي انتزعا مني”، تقول أم خديجة. لكن تلك الساعات كانت أهون كثيراً من لحظة عودتها صباحاً “كانت ترتجف من الخوف وتبدو آثار ضربة كف على خدها الأيمن”.

 

ممارسة  الجنس لأول مرة

7000 دولار أمريكي كان مبلغ ممارسة “وسن” الجنس لأول مرة مع أحد تجار العاصمة بغداد، “كان هذا ثمن فض بكارتها” تقول “أم فراس” السيدة الخمسينية التي تبدو اصغر سناً نظراً لجمالها واناقة ملابسها، كما رآها كاتب التحقيق خلال لقاء جمعهما بعد وساطة “مصدر” خاص.

يزين فمها أحد الأسنان الذهبية، الذي يظهر مع كل قهقهة تطلقها خلال حديثها للفت الأنظار، فيما يتناثر شعرها ذات الصبغة فاقعة الصفار على كتفها بقصة قصيرة.

اشترطت أم فراس عدم التصوير او تسجيل صوتها، لإجراء مقابلة صحفية للحديث عن طبيعة عملها وكيفية استقطاب النساء للعمل في تجارة الجنس.

تجني “أم فراس” أكثر من 5000 دولار يومياً كمتوسط دخل لقاء عمل فتياتها صباحاً في الكافيهات، وتأجيرهن للجنس ليلاً.

تقول إن ما تجنيه في ادارة البغاء لا يكون مالاً صافيا لها، حيث “هناك جهات عدة تجبرنا على دفع الأتاوات” مقابل عدم التعرض للفتيات العاملات لدينا، فيما تؤمن لنا بعض العصابات المتخصصة فتيات جديدات على طول السنة، يتم استقطابهن إما بالابتزاز وإما عن طريق اغوائهن بالمال، ونقوم بشرائهن كل واحدة بمبلغ معين بحسب صغر سنها وبكارتها وجمالها.

 

الاستغلال الجنسي قضيّة مزمنة

العراق كان يعد من البلدان التي نجحت في الحد بشكل كبير من حالات الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر، سيما بعد اصدار قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، والذي حظر فيه حتى الزواج القسري وتعدد الزوجات، لكن ظاهرة الاتجار بالجنس عادت للواجهة في تسعينات القرن الماضي وما بعد تغيير النظام السابق عام 2003.

في التاسع من كانون الثاني 2018 أعلن المتحدث باسم مجلس القضاء الأعلى في العراق القاضي عبد الستار البيرقدار عن اعتقال عصابة من خمسة افراد في مدينة الناصرية (375 كم جنوب العاصمة بغداد) تحترف الاتجار بالفتيات.

في الوقت الذي اعترفت عناصر العصابة، بحسب البيرقدار، بـ “استدراج أربع فتيات إلى العاصمة بغداد عبر برنامج التواصل الاجتماعي “التليغرام” بحجة الزواج بغية المتاجرة بهن”، وصدقت “محكمة التحقيق اعترافات المتهمين وفق المادة (5/ ثانيا) من قانون الاتجار بالبشر”.

وأعلنت قيادة عمليات بغداد في الثاني من كانون الثاني من نفس العام إلقاء القبض على عصابة تتكون من رجل وابنته، تمتهن التجارة بالبشر وبيع الفتيات في منطقة السيدية، جنوبي العاصمة.

الناشطة الحقوقية والأمين العام لجمعية الأمل “هناء ادوارد” أكدت تصاعد نسب جريمة الاتجار بالبشر، كاشفة عن ارتفاع حالات “هروب النساء في المناطق الجنوبية والشمالية، بعد وعود لهن بالزواج من قبل سماسرة يستدرجوهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليوقعوهن في فخ شبكات الاتجار بالبشر”.

مشكلة النساء اللاتي يتم استدراجهن تكمن بعدم القدرة على العودة إلى ذويهن، نظراً للعادات القبلية والمجتمعية التي تفرض قتل كل فتاة ينكشف هروبها من ذويها، وهذا ما يجعل مهمة خلاص تلك النساء من عصابات الاتجار بالجنس صعبة أو مستحيلة.

يقول الرائد في وزارة الداخلية، علي شاكر، إن “النساء الهاربات من ذويهن باتجاه العاصمة بغداد، يضطررن للحصول على أوراق ثبوتية وجوازات سفر مزورة، واستخدام اسماء مستعارة مع تغيير ألقابهن”، بهدف التخفي وقطع الطريق على ذويهن من ملاحقتهن عبر الاجهزة الامنية.

وبين، شاكر، أن ذوي الضحايا يقومون بإبلاغ مراكز الشرطة عن اختفاء بناتهم، وتسجيل محاضر رسمية بدعوى الخطف أو الفقدان، ليتم بعدها تعميم صور الفتاة والاسم على الاجهزة الامنية المختصة في المحافظات كافة، فيما يقوم بعض ذوي الضحايا بالبحث عنهن بشكل شخصي في العاصمة، لكن غالبية عمليات البحث تلك تبوء بالفشل.

لكن العديد من حالات القتل سجلت لفتيات تم العثور عليهن، والتي تعتبرها القبائل العربية “غسلاً للعار”، ويخفف القضاء حكمه على مرتكبي عمليات القتل تلك، ويصنفها كجزء من جرائم الشرف، والتي لا يتعدى الحكم فيها عقوبة حبس ستة اشهر او سنة كأقصى حد.

قاصرات محتجزات في الإمارات

جمعية الأمل العراقية كشفت ايضاً عن “وجود العشرات من الفتيات “العراقيات” القاصرات محتجزات داخل دولة “الامارات العربية المتحدة”، مؤكدة على لسان أمينتها “ادوارد” “وجود عملية تهريب لفتيات عراقيات إلى “الخليج ولبنان والاردن” عبر وعود بالعمل، ثم يتم الاتجار بهن”.

وتروي “ادوارد” بشكل مقتضب قصة فتاة عراقية “قاصرة” – لم يستطع كاتب التحقيق لقاءها لامتناعها عن اجراء لقاء صحفي وتخويلها لادوارد للحديث عنها – تم استدراجها إلى (سوريا) بعد أن تقدم لخطبتها شاب عراقي مقيم في سوريا بصحبة والدته، بعد التعرف عليه عبر موقع “فيسبوك”، ونظراً للحالة الاقتصادية الصعبة التي تعيشها عائلة الفتاة وافقت على تزويجها.

وبعد وصول الفتاة، اكتشفت أن والدة الشاب تدير أحد النوادي الليلية، ليتم ارغامها على العمل كـ “راقصة” في النادي بعد تطليقها، ثم نقلها بعد عام إلى دولة الامارات العربية المتحدة، قبل ان تتمكن من العودة الى العراق.

ولم يتسن لكاتبي التحقيق الحصول على تصريح رسمي من وزارة الداخلية الإماراتية لعدم ردها على رسالة عبر الخدمة الالكترونية لموقعها الرسمي على الشبكة العنكبوتية وجهها كاتب التحقيق لها بشأن اعداد الفتيات العراقيات المحتجزات في الامارات، والمتهمات بقضايا “البغاء”.

القضاء العراقي، وعبر العديد من التقارير والبيانات التي اصدرها خلال السنوات القليلة الماضية، كشف، عن وجود شبكات تمارس الاتجار بالبشر، وتدير شبكات تستقطب النساء بهدف تشغيلهن في دور “البغاء”.

وذكر المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى في تقرير نشرته صحيفة “القضاء” الصادرة عنه، في حزيران 2006 أنه صادق أقوال إحدى شبكات الاتجار بالبشر والتي اعترفت ببيع العديد من النساء بمبلغ 2500 دولار امريكي، وأنهن لا يتقاضين لقاء عملهن في “البغاء” سوى توفير مكان للمبيت والمأكل والملبس.

 

رفاه وعلياء اللّتين أوقعهما “زيد

بين طاولات احدى كافيهات منطقة العرصات وسط العاصمة بغداد، تتنقل “رفاه” ذات الأربعة والعشرين عاما، لتقدم الاركيلة وبعض الخدمات للزبائن، فيما لم تسلم من التعرض للتحرش اللفظي طوال ساعات عملها.

غادرت “رفاه” الموصل بعد سيطرة تنظيم داعش على المدينة في العاشر من حزيران 2014، مصطحبة معها شقيقتها وأمها، بعد أن قتل التنظيم والدها الذي كان يعمل شرطياً قبل سيطرته على المدينة بتسعة أشهر.

خمسة أشهر هي المدة التي قضتها “رفاه” في مخيم للنازحين شمالي الموصل قبل أن تتعرف على “زيد” خلال زيارته للمخيم مع إحدى المنظمات الانسانية والذي عرض عليها مغادرة المخيم إلى العاصمة بغداد “وتوفير عمل براتب مجزٍ لي ولشقيقتي”، تقول رفاه “وافقت بسبب ظروفنا الصعبة رغم قلقي بشأن تصرفات زيد وتقاربه مني ودوافعه”.

وصلت “رفاه” وعائلتها بغداد، ليتم نقلهما إلى شقة صغيرة مؤثثة في منطقة البتاوين وسط المدينة، وبعد اسبوع من وصولها باشرت العمل في الكافيه، فيما تم تشغيل شقيقتها في أحد صالونات الحلاقة النسائية.

تكفل “زيد” والذي تبين- بحسب شهادة رفاه- أنه يعمل ضمن شبكة تستقطب الفتيات إلى بغداد، بإيجار منزلها لمدة ثلاثة اشهر “لكنه بعد اسابيع عرض عليّ مبلغ 1500 دولار مقابل المبيت مع أحد الزبائن”، تقول رفاه “وافقت بعد تهديده بطردي من الشقة وتسريحي وشقيقتي من العمل واشياء أخرى، لم يكن هناك مجال للتراجع”.

بعد اسابيع قليلة تم ارغام شقيقتها على العمل في احد مراكز المساج “هددوني بفيديو بينما كنت استحم في صالون الحلاقة”، تقول “علياء” شقيقة “رفاه”.

 

محنة الإيزيديات مستمرّة

في الثالث من آب 2014 اقتحم تنظيم “داعش” مدينة سنجار (120 كم شمال غرب الموصل) والتي تقطنها غالبية ايزيدية، واختطف نحو 3550 فتاة وامرأة، تمكنت اقل من الفين منهن من الهرب او النجاة بعد دفع “فدية” فيما مايزال مصير نحو 1580 منهن مجهولا.

ومع سيطرة التنظيم الراديكالي على نحو 90% من محافظة نينوى، حيث يعيش المسيحيون والايزيديون والشبك، ومساحات واسعة من الاراضي العراقية، وإنشاء ما اسماها التنظيم بـ”أرض التمكين” افتتح العديد من الاسواق لبيع الايزيديات المختطفات من العراق وبعض المسيحيات من سوريا.

مدينتا الموصل العراقية والرقة السورية تحولتا الى سوق “النخاسة” الرئيسيين لبيع الايزيديات، فضلاً عن بعض الاسواق في الفلوجة والحويجة والبوكمال والحسكة.

وأعلن تنظيم داعش ومن خلال مجلته “دابق” بنسختها الإنكليزية، في تشرين الأول/أكتوبر 2014 عن  بيع “جنود التنظيم” المختطفات الايزيديات وبعض الاطفال، واصفاً اياهن بـ “السبايا”.

75 ألف دينار عراقي اي ما يعادل 60 دولاراً هو السعر الذي حدده داعش لكل امرأة ايزيدية بالغة من العمر (30 – 40) سنة، فيما حدد مبلغ 100 ألف دينار عراقي أي ما يعادل 80 دولاراً امريكياً للنساء من عمر  20)-30 ) سنة، و 150 ألف دينار عراقي اي ما يعادل 120 دولاراً امريكياً للفتيات البالغات من العمر (10 -20 ) سنة.

وأظهرت وثائق وحسابات شخصية على مواقع التواصل للعديد من مقاتلي التنظيم، ان بعض النساء الايزيديات من صغار السن والموسومات بالجمال تم بيعهن بمبالغ تترواح بين 500-2500 دولار امريكي. وبيعت غالبية الفتيات الصغيرات وبعض الصبية الاطفال بعمر (1 – 9) سنوات بمبلغ  200 ألف دينار عراقي أي مايعادل 163 دولارا امريكيا تقريباً.

في قرية بالقرب من معبد “لالش” الخاص بالايزيديين (60 كم شمال غرب مدينة الموصل) تجلس “نغم” متكئة على كرسي خشبي يعود صناعته إلى خمسينيات القرن الماضي. لم تستطع الفتاة ذات الخمسة والعشرين ربيعاً من الجلوس على الارض، كبقية افراد عائلتها، نظراً للإصابة البالغة التي تعرضت لها نتيجة تعذيب عناصر داعش لها.

اختطف داعش “نغم” وشقيقتها، وسط مدينة سنجار بعد أن قتل جميع افراد عائلتها من الذكور “بعد فترة احتجاز في بلدات قرب سنجار، اقتادوني نحو مدينة سورية عرفت فيما بعد انها الرقة”.

احتجزت نغم وشقيقتها في احدى “مضافات” التنظيم لأكثر من ثلاثة أسابيع حتى تم “عرضي وعدد من الايزيديات في سوق عام، ليتم بيعي في مزاد علني شارك فيه عشرات الرجال غالبيتهم من عناصر التنظيم”.

بيعت “نغم” بمبلغ 80 دولارا فيما لم تعرف مصير شقيقتها البالغة من العمر 9 أعوام والتي بيعت بمبلغ 500 دولار امريكي.

تقول “نغم” إن الكثير من المتواجدين في سوق بيع “السبايا” هم من الاجانب، وهم “يدفعون مبالغ كبيرة لقاء شراء الفتيات التي تقل أعمارهن عن 9 سنوات”.

مازالت عائلة “نغم” تبحث عن شقيقتها مجهولة المصير مثل أكثر من 1500 فتاة وامرأة أخرى، املا في العثور عليها واستعادتها، لكن الأمر أصعب بسبب صغر سنها حين اختطفت.

المعاناة التي خلفها تنظيم داعش لا تتوقف عند الايزيديات المختطفات، فحتى الناجيات منهن يعانين من امراض نفسية ومن صعوبة الاندماج مجددا في المجتمع. وبرزت معاناة من نوع آخر تتمثل في الفتيات التي حملن من مقاتلي التنظيم، مثل أحلام التي طلبت منها عائلتها التخلص من ابنها الذي لم يبلغ بعد عامه الثالث، مقابل القبول بعودتها الى منزلها. تقول احلام (24 عاما) التي تقيم في مخيم للنازحين بضواحي دهوك بعيداً عن اهلها: “حياتي أضحت جحيما.. هنا الفقر والحرمان والخوف… لكن لا يمكنني التخلي عن ابني، ما ذنبه؟.. هو لا يملك في هذه الدنيا غيري بعد ان قتل والده… هناك أخريات مهددات بالقتل بسبب ذلك”.

اتجار بالبشر في مخيّمات النزوح

مستشار وزارة الداخلية وهاب الطائي أكد خلال حديث لكاتب التحقيق “ورود شكاوى عديدة من نساء تم اجبارهن على ممارسة الجنس، بعد استغلال ظروفهن المعيشية”.

وزارة الداخلية العراقية تتعامل مع قضايا الاتجار بالبشر سيما الخاصة باستغلال النساء في “تجارة الجنس” بتحفظ، وترفض على الاغلب الخوض بتفاصيل مثل هذه القضايا، معللة ذلك بـ”الحفاظ على بنية المجتمع العراقي، اذ لا يمكننا معالجة الحالة بفضح النساء والتشهير بهن”، يقول الطائي مستشار الوزارة.

المرصد العراقي لحقوق الانسان حذر من تنامي خطر عمليات الاتجار بالبشر في العراق، مؤكداً على لسان رئيسه مصطفى سعدون رصد حالات “استغلال جنسي للنساء في الكافيهات، منهن فتيات قاصرات”، مطالباً الاجهزة التنفيذية بـ “اتخاذ اجراءات عملية كفيلة بالحد أو القضاء على ظاهرة الاتجار بالبشر في البلاد”.

جمعية الأمل وناشطون بمجال حقوق الانسان كشفوا عن “تسجيل مراكز ايواء النازحين العديد من عمليات الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي من قبل عصابات منظمة، سيما وأن اغلب نزلاء مخيمات النزوح من الطبقة المتوسطة والفقيرة”.

وهذا ما أقرت به عضو لجنة المرأة والاسرة والطفولة النيابية في البرلمان السابق ريزان دلير، كاشفة عن منعها من دخول مخيمات نزوح بإقليم كردستان، “بعد إصراري على كشف حالات الاتجار بالبشر في تلك المخيمات”، مشيرة إلى عدم وجود “خطط واضحة للحكومة ومنظمات المجتمع المدني لمكافحة الاتجار بالبشر”.

واتهمت دلير، جهات “متنفذة” لم تسمها، بالوقوف وراء عمليات استغلال الحالات الانسانية للنازحين في مخيمات النزوح وغيرها، بهدف تشغيلهن في الكافيهات أو بيوت “البغاء” واستغلالهن جنسيا.

المتحدث باسم وزارة الهجرة ستار نوروز، من جهته نفى لكاتب التحقيق، تسجيل وزارته ومصادرها المنتشرة في كل مخيمات النزوح أي انتهاكات بحق النساء، ووافقه الرأي رئيس المرصد العراقي لحقوق الانسان مصطفى سعدون، الذي اكد وجود مراقبة دقيقة من قبل الحكومة والمنظمات المحلية والدولية لمخيمات النزوح.

في بلد مثل العراق لا يمكن الوصول إلى المعلومات والبيانات بسهولة، سيما ما يتعلق بملفات الجريمة وعمليات الفساد، حيث تتكتم الجهات المعنية على غالبية الاحصائيات والارقام بحجة تأثيرها سلباً على المجتمع وعملها بشكل خاص.

يقول مدير الشرطة المجتمعية ببغداد العميد خالد المحنة “ليس لدي تخويل بالتصريح عن البيانات الدقيقة والاحصائيات، بشأن عمليات الاتجار بالبشر”، مؤكداً أن مهمة مديريته تكمن في “جمع البيانات واجراء الدراسات والابحاث حول الجرائم المجتمعية ومنها الاتجار بالبشر، وتقديمها للجهات التنفيذية”.

وكشف المحنة، عن استخدام العصابات الكافيهات ومراكز المساج كواجهة لتجارة الجنس، مؤكداً وجود “ما يقارب 60 مركزاً للمساج في العاصمة بغداد وحدها، والتي عادة ما تكون عبارة عن “غرف لممارسة الجنس بواجهات مساج”.

وسُجل بحسب، المحنة، وجود “أكثر من 100 كافيه ومقهى في العاصمة تعتمد على النساء في كوادرها”، خصوصاً من الشابات والقاصرات، ما يفتح باب استغلالهن “لأجل البغاء”.

معظم النوادي الليلية والتي تتخفى الكثير منها تحت يافطات “المراكز الثقافية”، تنتشر بشكل ملحوظ وسط العاصمة بغداد، سيما مناطق الكرادة والعرصات وشارع أبو نؤاس المطل على نهر دجلة، والتي سجلت زيادة كبيرة في أعدادها خلال السنوات السبع الماضية، بعد أن كانت قبل 2010 تحصى على عدد اصابع اليد.

وتدر النوادي الليلية التي تستخدم النساء كعنصر اساس لاستقطاب الزبائن، بحسب عدد من ضباط الداخلية المطلعين على هذا الملف، ملايين الدولارات، حيث أن المعلومات المتوافرة، بحسب احد الضباط، تشير إلى أن “واردات احد النوادي الليلية التي تحوي صالة قمار في بغداد تبلغ ما بين (1.5-1) مليون دولار يومياً”.

وهذا ما أكده النائب فائق الشيخ علي في 27 تشرين الاول/اكتوبر 2016 خلال مؤتمر صحفي، كاشفاً عن حصول احزاب سياسية لم يسمها على “نصف مليون دولار يومياً”، من صالات القمار والنوادي الليلية.

مافيات الاتجار بالبشر

المفوضية العليا لحقوق الانسان هي الأخرى لا تمتلك احصائيات دقيقة حول عمليات الاتجار بالبشر، وكل ما مؤشر لديها وجود مافيات تعمل على الاتجار بالبشر ورواج تجارة الجنس “بشكل مخيف في البلاد”، تعمل على “استغلال النساء والاطفال لممارسة البغاء تحت عناوين عديدة”. بحسب عضو مفوضية حقوق الانسان فاتن الحلفي.

كاتب التحقيق وعبر وساطات ومصادر خاصة، تمكن من لقاء أحد كبار العاملين في تجارة الجنس، والملقب بـ الـ “Boss”، الذي كشف “وجود أكثر من (80) منزلاً” للبغاء في بغداد، تعمل بشكل علني، معظمها في منطقة “الطوايل” غربي العاصمة، فيما توجد “أكثر من (170) وحدة تجارية معظمها مراكز للمساج وكافيهات تستخدم لتجارة الجنس”.

وكشف الـ “Boss”، عن “تشغيل اكثر من (1000) امرأة في مجال البغاء في بغداد وحدها، غالبيتهن من المحافظات”، فيما هناك أعداد أقل بكثير في باقي المحافظات.

أوائل عام 2013 تصاعدت حدة الهجمات المسلحة ضد النوادي الليلية ومحال بيع الخمور بشكل مكثف، فضلاً عن استهداف بعض دور “البغاء” في العاصمة بغداد من قبل مجاميع مسلحة مجهولة.

مساء الثاني عشر من تموز/يوليو 2014 وفي منطقة شقق “زيونة” شرقي العاصمة بغداد تحديداً، فتحت مجموعة مسلحة نيران اسلحتها الرشاش على مجموعة من النساء والرجال داخل العمارتين رقم (43 ، 44)، حيث قتل في الحادث 25 امرأة، فيما أصيب 10 آخرين نصفهم من الرجال، كانوا متواجدين داخل الشقق.

الملفت أن الحادثة وقعت على بعد أمتار قليلة من نقطة تفتيش “زيونة” التابعة للشرطة الاتحادية، والتي اكتفت وزارة الداخلية بحسب الناطق باسمها اللواء سعد معن بـ “احتجاز القوة المسؤولة عن المجمع السكني على خلفية الحادث”.

هذا ولم تكن مجزرة الثاني عشر من تموز الأولى من نوعها في زيونة أو عموم بغداد، ففي 18 من آيار/مايو 2014 اغتالت مجموعة مسلحة 4 نساء في المنطقة ذاتها مستخدمة اسلحة كاتمة للصوت، فيما اغتالت مجموعة أخرى في 3 حزيران/يونيو من نفس العام 5 نساء في منطقة الكرادة ذات التحصينات الامنية العالية، وسط العاصمة بغداد.

لكن الغريب في الأمر، أن “الهجمات على النوادي الليلية وبيوت “البغاء” تراجعت بشكل مفاجئ وبنسبة 90% ما بعد 2015″، فيما بدأ نشاط تلك النوادي للعودة بشكل ملحوظ دون أن يتعرض لها أحد.

 

حيتان الفساد خلف الاتجار

الأمين العام لجمعية الأمل “هناء ادوارد” اتهمت من اسمتهم بـ “حيتان الفساد”، بالوقوف وراء عمليات الاتجار بالبشر، كاشفة عن “حماية بعض رجال السلطة لمراكز المساج والنوادي الليلية والترفيهية”، بينما اشارت عضو لجنة المرأة ريزان دلير إلى “تورط مجاميع مسلحة بقضايا الاتجار بالبشر وإدارة وحماية شبكات البغاء”.

فيما امتنع أكثر من خمسة مسؤولين حكوميين بينهم مستشار وزير الداخلية ورئيس الشرطة المجتمعية عن كشف اسماء الجهات التي تقف خلف عصابات الاتجار بالبشر، مكتفين بتسميتهم بـ “العصابات”.

العقيد (خ.الشمري) اقر بصعوبة التعامل مع حالات الاتجار بالبشر، لارتباط تلك العصابات بمنظومة فساد مالي كبيرة، لذا فإن القبض على تلك العصابات “يحتاج إلى سلسلة مراجع، ودعم من كبار قادة الداخلية والاجهزة الساندة”.

العديد ممن التقاهم كاتبا التحقيق من نشطاء وسياسيين، اكدوا ان قوى وجماعات مسلحة قريبة من أحزاب نافذة تقف وراء تلك التجارة.

 

عمليات ابتزاز

في إحدى العمارات السكنية القريبة من المسرح الوطني وسط بغداد تقطن “هبة” البصراوية نسبة إلى محافظة البصرة (549 كم اقصى جنوب العاصمة بغداد).

ببشرتها داكنة السمرة وابتسامتها الساحرة، وجسدها الممشوق، تجتذب هبة الزبائن خلال عملها في إحدى الكافيهات وسط بغداد، لكنها تقوم بكل ذلك تحت انظار مشغليها.

لم تمضِ سوى دقائق معدودة على لقائنا بـ”هبة” في أحد المكاتب الصحفية حتى انهارت باكية، اضطر بعدها كاتب التحقيق لإيقاف المقابلة لأكثر من عشر دقائق، قبل ان تعود للحديث.

تنحدر “هبة” التي تبلغ 21 عاماً من عائلة فقيرة، ويغلب الطابع الديني “المتشدد” على شقيقها الوحيد، الذي منعها من اكمال دراستها الجامعية بحجة عدم الاختلاط بالجنس الآخر، في الوقت الذي منعها من مغادرة المنزل إلا للضرورات برفقته أو أحد والديها.

“تعرفت على أحدهم عبر فيسبوك، فأحببته”، تقول هبة. استمرت العلاقة لعامين، حتى قررا لقاء بعضهما مستغلين وقت مغادرة اخيها إلى العمل. “لكن أخي علم باللقاء بعد أن اخبره جارنا بأني قابلت احدهم عند ناصية باب الدار”.

اضطرت “هبة” للهروب من المنزل “تلقيت على مدى اسبوع كامل شتى انواع العذاب على يد أخي”، فركبت متجهة للعاصمة بغداد من دون أن يكون لها أي ملجأ “لم استطع حتى الاتصال بحبيبي، لعدم امتلاكي لهاتف نقال بعد أن صادره اخي”، تقول هبة.

ومثل الضحية “اندومي” تم استدراج “هبة” من قبل أحد سائقي التكسي والذي يعمل مع عصابات الاتجار بالبشر، “اصطحبني إلى منزله، الذي كانت تشاطره فيه زوجته وطفلاه، والذي لم يكن مريباً لي للوهلة الأولى”.

أحد ضباط استخبارات الداخلية في العاصمة، رفض الكشف عن اسمه، كشف لكاتب التحقيق عن انتشار عصابات الاتجار بالبشر عند مرآب بغداد الجنوبي والشمالي، تصطاد النساء والفتيات الهاربات من المحافظات باتجاه العاصمة.

بعد اربعة أيام فقط من وصولها للمنزل، غطت هبة بنوم عميق بعد شربها لكأس عصير برتقال، لتفاجأ صباحاً بشريط فيديو يظهرها وهي عارية بين احضان صاحب المنزل.

“باعني بـ 3000 دولار بعد تهديدي بنشر الفيديو وتسليمي لأهلي بعد أن علم أنني من اهالي البصرة في حال لم ارضخ لأوامره”، تقول هبة، فـ “وافقت”.

اشترى أحد مديري بيوت “البغاء” هبة، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الفتاة رغم كل الظروف التي مرت بها مازالت قوية “رفضت أن أمارس الجنس وحاولت الهرب من الشقة التي وضعوني فيها.. فقيدوني واغتصبوني”، بعدها قاموا بتعذيبها حد الإغماء.

بعد أشهر عديدة بيعت هبة مرة أخرى إلى مجموعة أخرى، طمعاً ببنيتها الجسمانية التي تمكنها من العمل اضافة إلى ممارسة الجنس “تم تشغيلي في إحدى الكافيهات نهاراً وارغامي على ممارسة الجنس ضمن خدمة التوصيل المجاني “الدلفري” ليلاً”.

 

كيف تمّ استقطاب زينة؟

عصابات الاتجار بالجنس ومديرو منازل “البغاء”، باتوا يتخذون أساليب تمويه بهدف رواج تجارتهم، فضلاً عن مراكز المساج والكافيهات، حيث صارت تستخدم حسابات على فيس بوك خاصة بتوصيل البضائع او شركات للتنظيف كواجهات لعملهم، بحسب مصدر في استخبارات بغداد، رفض الكشف عن اسمه.

في احد ازقة منطقة الكرادة، رُممت إحدى الدور السكنية القديمة، لتعلق على بوابتها يافطة لإحدى شركات “التنظيف”، لكن الشركة انتقلت بعد أشهر قليلة إلى مكان آخر من المدينة، وهي تستبدل موقعها بشكل مستمر كل ثماني أشهر.

“زينة” صاحبة الاربعة والثلاثين ربيعاً كانت من أول العاملين في شركة التنظيف، حيث تم استقطابها، على أساس العمل كمنظفة منازل عند الحاجة، لكنها تفاجأت بعد اسابيع قليلة بالعرض عليها تقديم “خدمات اضافية” لبعض الزبائن حين زيارة منازلهم.

وافقت زينة، بحسب قولها، مضطرة لظروفها المادية الصعبة ولتأمين ايجار شقتها وقوت اطفالها الثلاث بعد أن فقدت زوجها في أحد تفجيرات العاصمة بغداد منذ اربع سنوات.

تقول زينة، انه يتم نقلها بواسطة خدمة التوصيل الى منزل الزبون بحجة التنظيف “إلا أنني اقدم للزبون الجنس لقاء أموال يدفعها للشركة تدفع عن طريقي”. فيما تحصل زينة، بحسب قولها، على “البقشيش” من كل زبون.

وهذا ما كشف عنه مجلس القضاء الاعلى، خلال تقرير له نشر في حزيران 2016 نشر في صحيفة القضاء الصادرة عنه، أعلن فيه عن القاء القبض على شبكة للاتجار بالبشر توفّر خدمة جديدة للزبائن والمعروفة بـ”التوصيل المجاني”.

قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 اعتبر في نصه “القبض على شخص او حجزه وحرمانه من حريته بالإكراه او بالحيلة، ونقله الى مكان آخر دون ارادته ورضاه ومنعه من الخروج بقصد معين”، جريمة خطف.

وأفرد قانون العقوبات في مواده الممتدة من (427 – 421) عقوبة لجرائم خطف “النساء” تراوحت بين الاعدام والسجن المؤبد اذا صحب الخطف مواقعة المخطوفة، وشُددتْ العقوبة وفق القانون رقم 1 لسنة 2002 إلى الإعدام فقط في حالة مواقعة المخطوفة.

لكن قانون مكافحة الاتجار بالبشر المقر في الثالث والعشرين من شباط 2012، خفف عقوبة المتاجرين بالبشر والتي كان قانون العقوبات يعتبرها جرائم خطف إلى الحد الذي باتت لم تعد رادعة لعصابات الاتجار، بحسب الخبير القانوني طارق حرب.

حيث رفع القانون عقوبة الإعدام عن مرتكبي جريمة الاختطاف والمتاجرة بالبشر إلا في حالة موت الضحية، فيما اكتفى القانون بحسب مواده (5، 6، 7، 9) بعقوبة السجن لمدة لا تزيد عن (15) عاماً على مرتكبي الاتجار بالبشر وخطف النساء، مع غرامات اقصاها (25) مليون دينار عراقي.

 

أمل الخلاص

مديرة هيئة رعاية الطفولة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية “عبير الجلبي”، أكدت تغير الإجراءات الحكومية تجاه ضحايا الاتجار من النساء بشكل ملحوظ، كاشفة عن فتح دار رعاية حكومية خاص بضحايا الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر والذي اطلقت عليه بـ “البيت الآمن”.

وفي السادس من أيلول/سبتمبر 2017 صوت مجلس الوزراء خلال جلسة عقدها برئاسة حيدر العبادي على مشروع رعاية ضحايا الاتجار بالبشر.

تقول “الجلبي” أن اللجنة العليا المكلفة بمكافحة الاتجار بالبشر تشرف وبشكل مباشر على دار إيواء ضحايا الاتجار المفتتح في العاصمة بغداد، والتي تعد أول دار من نوعه في البلاد، مبينة أن الدار التي افتتحت في كانون الاول/ديسمبر 2017 آوت منذ افتتاحها حالتين من ضحايا الاتجار بالبشر، وهما اللتان تمت احالتهما للدار بأمر قضائي.

وأوضحت الجلبي أن “الدار توفر ملاذا آمنا لضحايا الاتجار بالبشر خصوصاً من النساء، وإعادة تأهيلهن وفق برامج خاصة تتضمن التأهيل النفسي ومعالجة الاضرار الجسدية التي تسبب بها خضوعهن للاستغلال الجنسي، فضلاً عن تعليمهن بعض المهن والمهارات مثل الخياطة بهدف إعادة دمجهن بالمجتمع”.

تبسمت “اندومي” عند اخبارنا لها عن “المنزل الآمن” الحكومي، وبعد لحظة شاحت بنظرها إلى سقف الكافيه، قاطعة ابتسامتها بإيماءة خوف ارتسمت على وجهها.. توقفت هنيهة، ثم قالت وهي تغادر مقعدها “لا أعلم متى سأتخلص من هذا الكابوس، لكن يوماً ما سأتمكن من الهروب بعيداً”.

 

– يتحفظ كاتب التحقيق على ايراد الأسماء الحقيقة وامكان تواجد النساء المتحدثات في التحقيق، كما يتحفظ على ذكر أسماء بعض ضباط وزارة الداخلية بطلب منهم.

 

*انجز التحقيق  بدعم من الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية (نيريج)، ونشر بشكل مختصر في موقع “درج” المعني بقضايا الشرق الاوسط.